“أنا… محتاج آخد حقي كراجل… اهدي بس وما تقاوميش، كده مش هوجـ,ـعك… وهاخلص بسرعة.” قال الراجل وهو بيهمس بصوت واطي وهو ماسكها ومثبتها في الأرض. وقرب أكتر وهو ضاغطها على أرضية المخزن الخشب وقال: “ما تقاوميش… هتتعبي نفسك على الفاضي.” العروسة كانت هربت. فستانها الأبيض اللي لبسته الصبح في فرحها بقى ممزق ومتـ,ـوسخ بالتراب والعرق واليأس. تحت شمس الصعيد الحـ,ـارقة كانت بتجري… كأن المـ,ـوت وراها. كانت فاكرة إنها لقت مكان تستخبى فيه في مخزن قديم مهجور وسط الأراضي الزراعية… بعيد عن قسـ,ـوة الراجل اللي اتجوزته.
لكن القدر كان مخبي لها حاجة تانية. صاحب المخزن… راجل عايش لوحده بقاله سنين، ومتعود على حياة قاسية… لقاها مرمية على الأرض، جسمها مولع من الحمى، وبتترعش بين الوعي والإغماء. أول ما شافته… جسمها اتجمد من الخوف. بس اللي غير مصيرها ما كانش شكلها. كانت الكلمة اللي همستها… قبل ما تحط سـ,ـكينة مطبخ على رقبتها. كانت بتجري. حر الصعيد كان بيحرق صدرها مع كل نفس. الهوا نفسه كان عامل زي النار وهو داخل رئتها… والذعر جوه صدرها كان بيخبط زي الطبول.
من كام ساعة بس… كان فستان الفرح رمز لبداية جديدة. دلوقتي بقى فخ. الدانتيل الأبيض كان بيعلق في كل شوكة وكل غصن شجرة في طريقها. وفي لحظة يأس قطعت طرف الفستان بإيديها عشان تقدر تجري. القماش اللي كان أبيض ناصع بقى مليان تراب وعرق ونقط دـ,ـم خفيفة. طرحة الفرح ضاعت من بدري… اتقطعت في غصن شجرة وهي بتهرب. كل خطوة كانت بتثير غبار أحمر يطلع ويلزق في جلدها المبلول عرق. وشها كان مليان تراب… وخدودها حمرا من التعب والخوف.
وفوقها الشمس مولعة في السما… مفيش ولا سحابة. لا ظل. لا راحة. بس أرض واسعة ناشفة مالهاش آخر. لكن صورة راجل واحد كانت بتطارد دماغها. محمود الشناوي. الراجل اللي اتجوزته الصبح… وهربت منه قبل ما اليوم يخلص. فكه القاسي… وعينيه اللي مفيهاش أي دفا… والنظرة المتملكة اللي ظهرت في عينه أول ما الفرح خلص. كانت صدقته. صدقته لما قال إنه هيديها حياة آمنة ومستقرة. أهلها اللي غرقانين في الديون شافوه المنقذ. لكن الحقيقة ظهرت أول ما باب الأوضة اتقفل عليهم بعد الفرح.
ما كانش فيه حب. ولا حتى احترام. بس جملة واحدة قالها وهو ماسك دراعها بعنف: “دلوقتي بقيتي مراتي… يعني جسمك ووقتك وحياتك كلها بقت ملكي… والطاعة مش اختيار.” إيده كانت قاسية لدرجة إنها سابت كدمات زرقا في دراعها تحت القماش الممزق. اللحظة دي كانت آخر تحذير. استنت لما نام… بعد ما شرب كتير في ليلة الفرح. وبعدين خرجت بهدوء من البيت. كانت بتجري ناحية المجهول… أي مكان… المهم بعيد عنه. بعد ساعات من الجري… رجليها بقت بتتحرق.
دنياها بدأت تزغلل. الشمس كانت بتدق في دماغها زي المطرقة. ولما افتكرت إنها خلاص مش هتقدر تمشي خطوة كمان… شافت حاجة. مخزن خشب قديم واقف لوحده وسط الأرض. حيطانه رمادي من الزمن وسقفه مائل… لكنه بالنسبة لها كان النجاة. اتكعبلت لحد ما وصلت الباب المكسور ودخلت. وقعت على الأرض وسط القش… وصدرها بيطلع وينزل بسرعة. الضلمة جوه المخزن كانت رحمة بعد الشمس. زحفت لركن بعيد ورا شكاير قديمة… وقفلت عينيها. لما صحيت… كانت جسمها مولع.
مش من الشمس. من جوه. الحمى كانت ماشية في عروقها زي السـ,ـم. حاولت تتحرك… لكن جسمها رفض. شفايفها متشققة من العطش. لسانها ناشف. ومن وسط التعب سمعت صوت. خطوات. تقيلة. بطيئة. قريبة. ظهر راجل عند باب المخزن… ضخم وطويل وساد النور اللي داخل. كان عريض الكتفين… وشكله يوحي إنه راجل عاش أيام صعبة كتير. أول ما شافته… جسمها اتشل. حاولت تزحف لورا… لكن دراعها خذلوها ووقعت على جنبها. قرب خطوة كمان. ولما النور لمس وشه…
شافته. وش خشن… فيه ندوب قديمة… وعينين مفيهمش أي لين. ما كانش شكل راجل بيطبطب. كان شكل راجل بياخد اللي عايزه. قرب وهو بيهمس: “أنا محتاج واحدة الليلة… ما تقاوميش… وهخلص بسرعة.” ضغطها على الأرض الخشب… والشظايا كانت بتغرز في ضهرها من خلال الفستان الممزق. “اهدي… ما تتعبيش نفسك.” الدموع نزلت من عينيها. هربت من وحش… ولقت نفسها قدام وحش تاني. يمكن دي النهاية. لكن فجأة… إيديها اتحركت وسط القش جنبها. لمست حاجة ساقعة. سكـ,ـينة مطبخ قديمة.
صدية… بس حادة. أول ما مد إيده ناحية فستانها… رفعت السـ,ـكينة بسرعة وحطتها على رقبتها. وقالت بصوت مبحوح: “قرب خطوة كمان… وهتاخد جثـ,ـة بدل اللي عايزه.” الراجل اتجمد مكانه. عينيه وسعت شوية. مش خوف. دهشة. رفع إيده بهدوء… ورجع خطوة لورا. وقال بصوت هادي: “اهدي… بس اهدي.” ضغطت السـ,ـكينة أكتر على جلدها وظهر خط دـ,ـم رفيع. “أنا مش بهزر… أنا مت مرتين النهارده… والتالتة مش هتفرق.” فضل يبصلها شوية. وبعدين لف ومشي ناحية ركن المخزن.
رجع بعدها وهو شايل زجاجة مية وبطانية. حطهم على الأرض بينهم. ورجع خطوة لورا. وقال: “اشربي الأول… وبعدين نتكلم.” بصتله والسـ,ـكينة لسه على رقبتها. قال بهدوء: “لو كنت عايز أأذيكي… كان حصل من بدري. أنا مش كده.” ردت بتعب: “كلامك قال غير كده.” اتنهد وقال: “الكلام ده… ما كانش ليكي.” وبعدين بص على زجاجة المية. “إنتي جسمك مولع من الحمى… ولو ما شربتيش هتمـ,ـوتي.” بصت للمية. حلقها كان بيصرخ من العطش. قالت بصوت ضعيف: “ليه أصدقك؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “ما تصدقيش… السـ,ـكينة في إيدك. اشربي… ولو عملت حاجة غلط… استخدميها.” عدت دقايق طويلة. وفي الآخر… خفضت السـ,ـكينة شوية. مدت إيديها التانية وأخدت زجاجة المية. وشربت. المية كانت دافية… بس كانت أحلى حاجة داقتها في حياتها. قعد الراجل بعيد شوية وقال: “اسمي عمر البدري… والمخزن ده بتاعي. أنا عايش لوحدي… وما بسألش حد عن حاجته.” وبعدين بص لها بهدوء. “واضح إنك مش قادرة تمشي دلوقتي. ارتاحي هنا… ولما تقدري تمشي… امشي.”
بصتله كويس. تحت القسـ,ـوة والندوب… شافت حاجة غريبة. التعب. نفس التعب اللي جواها. همست: “اسمي… ليلى.” هز راسه وقال: انقبض قلب **ليلى** وهي بتشوف **عمر البدري** بيقوم ويتحرك في ضلمة المخزن زي الشـ,ـبح. السـ,ـكينة لسه في إيدها، وصوابعها مكلبشة فيها لدرجة إن عقل عضمها ابيضّ، بس جسمها كان بيخونها. المية اللي شربتها بدل ما تفوقها، خلت جسمها يرتخي فجأة، والحمى بدأت تنهش في وعيها وتخلي الصور تتداخل قدام عينيها. عمر بص لها بطرف عينه، شاف السـ,ـكينة وهي بتتهز في إيدها الضعيفة، وشاف وشها اللي بقى لونه زي لون القماش الأبيض اللي لابسة بقاياه. قرب خطوتين بهدوء وحذر:
“هاتي السـ,ـكينة دي يا ليلى.. إنتي مش محتاجاها دلوقتي، وإيدك لو فلتت هتعوري نفسك.” ليلى حاولت تصرخ فيه، بس صوتها طلع مجرد همس ضايع: “ابعد.. ما تقربش..” وقف مكانه، وعينه جت على الدم اللي سال من رقبتها مكان السـ,ـكينة. اتنهد بضيق، وطلع منديل قماش قديم من جيبه وحدفهولها: “اضغطي على الجـ,ـرح ده.. الصعيد مبيسامحش الضعيف، وإنتي شكلك شايلة هم جبال فوق كتافك.” ### **زوار الليل**
فجأة، سكت عمر تماماً، ومال براسه ناحية الباب المكسور. ليلى مكنتش سامعة حاجة غير ضـ,ـربات قلبها، بس عمر – ابن الجبل والوحدة – كان سامع صوت حوافر خيل بتقرب، وصوت ناس بتنادي بأسماء بعضها بلهجة غـ,ـاضبة. “استخبي ورا الشكاير دي.. وماتطلعيش نفس مهما حصل.” قالها عمر بصوت واطي وقاطع وهو بيسحب السـ,ـكينة من إيدها المرتخية بسرعة البرق، المرة دي ليلى مقاومتش، كانت الرؤية عندها بدأت تسودّ. دخل المخزن تلات رجالة بجلابيبهم وعماماتهم، شايلين كشافات قوية ونادقهم على كتافهم. في المقدمة كان **محمود الشناوي**، وشّه كان عبارة عن كتلة من الغضب والغل، وعينيه بتدور في المكان زي الصقر.
“نورت يا محمود بيه..”