منوعات

منذ ثمان عشر سنه

ثم صوت دقات قلبي فقط. “أي… أطفال؟” سألتُ، وأنا أعرف الإجابة لكني أرفضها. رفع الطبيب عينيه نحوي: “أطفالكما.” اختنق الهواء في ص,,دري. “لكن… لكن خـ,ـيانتي كانت…” تلعثمت. “ثلاثة أشهر فقط… بعد سنوات من زواجنا!” نظر الطبيب في الملف، ثم قال: “التقرير أقدم من ذلك بكثير.” عندها فقط… فهمت. لم يكن صمته عقابًا على تلك الخـ,ـيانة فقط. لم تكن الوسادة جدارًا بسبب رجل واحد. كان يعيش مع شك… مع جرـ,ـح أقدم… أعمق… لم أعرفه أبدًا. التفتُّ إلى أرفيند، ودمـ,ـوعي تسقط بلا صوت:

“كنتَ تعرف؟… كل هذه السنين؟” أغلق عينيه للحظة… ثم قال بصوت مكسور لم أسمعه منه من قبل: “كنت أعرف… أنني لا أستطيع أن أنجب.” ارتجف صوتي: “لكن… لماذا لم تقل لي؟ لماذا عاقبتني هكذا؟” رفع رأسه ببطء… وعيناه مليئتان بشيء لم أره فيه منذ عشرين عامًا: الألم. “لأنني…” توقّف، ثم أكمل: “لم أكن أعرف… هل أخنتِني قبل أن أعرف؟ أم بعد؟” سقطتُ على الكرسي. كل تلك السنوات… لم تكن صمتًا فقط. كانت سؤالًا… لم يُطرح أبدًا.

قال وهو ينظر إلى يديه: “لو أخبرتُكِ أنني لا أستطيع الإنجاب… هل كنتِ ستبقين؟” لم أستطع الرد. لأن الإجابة… كانت تؤلمني أنا أيضًا. أكمل بصوت خـ,ـافت: “وعندما اعترفتِ… لم أعرف هل كنتِ أول رجل… أم مجرد واحد منهم.” شهقتُ وكأن أحدهم طـ,ـعنني. “أرفيند! أقسم لك… لم يكن هناك أحد قبله!” لكن صوتي جاء متأخرًا… متأخرًا جدًا. ابتسم ابتسامة صغيرة… مكسورة: “ثمانية عشر عامًا… وأنا أبحث عن هذه الجملة.” الصمت عاد… لكنه لم يكن نفس الصمت.

كان أثقل. مدّ الطبيب الملف نحونا وقال بهدوء: “زوجك مريض… لكن ما قـ,ـتله ببطء… ليس المرض.” نظرتُ إلى أرفيند. إلى الرجل الذي عشتُ معه عمرًا كاملًا… ولم أعرف قلبه. الوسادة التي كانت بيننا كل ليلة… لم تكن عقابًا فقط. كانت خـ,ـوفًا. شكًا. وسؤالًا بلا إجابة. مددتُ يدي… لأول مرة منذ سنوات. ترددتُ. ثم لمستُ أص,,ابعه. تجمّد. لكن… هذه المرة… لم يسحب يده. ظلّت أص,,ابعي فوق يده… مرتجفة، خفيفة كأنها تخـ,ـاف أن تجـ,ـرحه أكثر. ثمانية عشر عامًا من البُعد… اختُصرت في تلك اللمسة.

لم يسحب يده. لكنّه أيضًا… لم يُمسك بها. نظرتُ إليه، وقلت بصوت مكـ,ـسور: “أنا آسفة… بس مش على الخـ,ـيانة بس… على كل يوم سِبتك فيه لوحدك مع الشك ده.” أغمض عينيه طويلًا… كأنه أخيرًا سمح لنفسه أن يتعب. خرجنا من العيادة بصمت. الشمس كانت حادة في عيوننا، والناس تمشي كأن العالم لم يتغيّر… بينما عالمي أنا كان ينهار ويُعاد بناؤه في نفس اللحظة. في الطريق للبيت، لم نشغّل الراديو. لم نت,,حدث. لكن لأول مرة… لم يكن الصمت جليدًا.

كان… انتظارًا. — في تلك الليلة، دخل أرفيند غرفة النوم قبلي. وقفتُ عند الباب… قلبي يدق كأنني عروس خائفة، لا امرأة عاشت عمرًا كاملًا. نظرتُ إلى السر,,,ير. الوسادة… ما زالت هناك. نفس الوسادة البيضاء. نفس الجدار الصغير الذي دفـ,ـننا أحياء. تقدّمتُ ببطء. جلستُ على طرف السر,,,ير. ثم… مددتُ يدي… وسحبتُ الوسادة. لم أرْمِها. وضعتها على الأرض… بهدوء. رفعتُ عيني إليه. كان ينظر… بدهشة… وخـ,ـوف… وكأنني أزيل شيئًا أكبر من مجرد قماش. همستُ: “لو هتفضل بينا… يبقى لازم تكون إحنا اللي حطيناه… مش وجعنا.”

سكت طويلًا. ثم قال بصوت خافت جدًا: “متأخرة قوي يا نينا…” اقتربتُ أكثر. “عارفة… بس لسه عندنا شوية وقت… صح؟” نظر بعيدًا… إلى صورة “جانيشا” المعلقة فوق السر,,,ير… ثم عاد إليّ. تردّد. ثم… ببطء شديد… وكأنه يتعلّم من جديد… مدّ يده. تجمّدتُ. يده لم تكن قوية كما كانت. كانت أضعف… أبطأ… لكنها دافئة. أمسك أص,,ابعي. لأول مرة… منذ ثمانية عشر عامًا. وانهرتُ. لم أبكِ بصوت. لكن جسدي كله كان يبكي. — مرّت الأيام التالية ببطء.

لم نصبح فجأة زوجين مثاليين. لم تختفِ الجروح. لكن… شيئًا تغيّر. أرفيند بدأ يتكلم. قليلًا… ثم أكثر. حكى لي عن كل ليلة كان يسأل نفسه فيها نفس السؤال. عن كل مرة أراد أن يسألني… وخـ,ـاف من الإجابة. وأنا… حكيت له عن وحدتي. عن كيف أنني عاقبت نفسي قبله. عن كيف أنني ظللتُ أعيش كأنني لا أستحق الحب. اكتشفنا أننا… كنا شخصين يتعذبان في نفس الغرفة، لكن كل واحد في سـ,ـجن مختلف. — بعد شهر… في صباح هادئ، كنتُ أعدّ الشاي.

جاء أرفيند من خلفي. توقّفتُ… دون أن ألتفت. ثم شعرتُ بشيء خفيف… على كتفي. يده. تجمّدتُ… ثم أغمضتُ عيني. قال بهدوء: “الشاي هيبرد.” ضحكتُ… وبكيتُ في نفس اللحظة. — في تلك الليلة… عندما ذهبنا للنوم… لم تكن هناك وسادة بيننا. كان هناك خـ,ـوف… نعم. وكان هناك ماضٍ ثقيل. لكن كان هناك أيضًا… شيء لم يكن موجودًا منذ زمن طويل. محاولة. وقبل أن نطفئ النور، همس أرفيند: “نينا…” “همم؟” تردّد… ثم قال: “خلّينا… نبدأ من اللي باقي… مش اللي ضاع.”

أمسكتُ يده بقوة هذه المرة. “حاضر.” — أحيانًا… لا يدمرنا الخطأ. ولا حتى العقاب. الذي يقـ,ـتل ببطء… هو الصمت. ثمانية عشر عامًا… ضاعت بين سؤال لم يُسأل… وإجابة جاءت متأخرة. لكن في النهاية… حتى القلوب المتعبة… تجد طريقها… إذا قررت أن تتكلم.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى